صفي الرحمان مباركفوري
400
الرحيق المختوم
لصاحب أيلة : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من اللّه ومحمد النبي رسول اللّه ليحنة بن روبة وأهل أيلة ، سفنهم وسياراتهم في البر والبحر لهم ذمة اللّه وذمة محمد النبي ، ومن كان معه من أهل الشام وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثا ، فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس ، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر » . وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل في أربعمائة وعشرين فارسا ، وقال له : « إنك ستجده يصيد البقر » فأتاه خالد ، فلما كان من حصنه بمنظر العين ، خرجت بقرة ، تحك بقرونها باب القصر ، فخرج أكيدر لصيده - وكانت ليلة مقمرة - فتلقاه خالد في خلية ، فأخذه وجاء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فحقن دمه ، وصالحه على ألفي بعير ، وثمانمائة رأس ، وأربعمائة درع ، وأربعمائة رمح ، وأقر بإعطاء الجزية ، فقاضاه مع يحنة على قضية دومة وتبوك وأيلة وتيماء . وأيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات أوانه ، فانقلبت لصالح المسلمين ، وهكذا توسعت حدود الدولة الإسلامية ، حتى لاقت حدود الرومان مباشرة ، وشهد عملاء الرومان نهايتهم إلى حد كبير . الرجوع إلى المدينة ورجع الجيش الإسلامي من تبوك مظفرين منصورين ، لم ينالوا كيدا ، وكفى اللّه المؤمنين القتال ، وفي الطريق عند عقبة حاول اثنا عشر رجلا من المنافقين الفتك بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أنه حينما كان يمر بتلك العقبة كان معه عمار يقود بزمام ناقته ، وحذيفة بن اليمان يسوقها ، وأخذ الناس ببطن الوادي ، فانتهز أولئك المنافقون هذه الفرصة ، فبينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحباه يسيران إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم ، قد غشوه وهم ملتثمون ، فبعث حذيفة فضرب وجوه رواحلهم بمحجن كان معه ، فأرعبهم اللّه ، فأسرعوا في الفرار حتى لحقوا بالقوم ، وأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأسمائهم ، وبما هموا به ، فلذلك كان حذيفة يسمى بصاحب سر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي ذلك يقول اللّه تعالى : وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا . ولما لاحت للنبي صلى اللّه عليه وسلم معالم المدينة من بعيد قال : « هذه طابة ، وهذا أحد ، جبل